البــدايـــة

القــرآن الكـريــم

الحديث النبوي الشريف

المكتبـه العـامـــه

المكتبـــة العـــامـــه

قصص الأنبيــاء(عليهم السلام)

 

يونس عليه السلام

وفوجئ يونس بنفسه في بطن الحوت، والحوت يجري به في جوف البحر، والبحر يجري في جوف الليل.. ظلمات ثلاث.. بعضها فوق بعض.. ظلمة جوف الحوت.. وظلمة قاع البحر.. وظلمة الليل.. تصور يونس أنه مات.. حرك حواسه وجد نفسه يتحرك.. هو حي إذن.. لكنه سجين وسط ظلمات ثلاث

وبدأ يونس يبكي.. ويسبح لله.. بدأ رحلة العودة إلى الله وهو سجين وسط الظلمات الثلاث.. تحرك قلبه بالتسبيح لله وتحرك بعدها لسانه بقوله

لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

كان يونس منكفئا على وجهه في بطن الحوت.. ورغم ذلك فقد راح يسبح لله.. وكأن الحوت قد تعب من السباحة فرقد على بطنه في قاع البحر واستسلم للنوم.. واستمر يونس في تسبيحه لله.. لا يتوقف ولا يهدأ ولا ينقطع بكاؤه.
لم يكن يأكل أو يشرب أو يتحرك.
كان صائما طعامه هو التسبيح

وسمعت الأسماك والحيتان والنباتات وكل المخلوقات التي تعيش في أعماق البحر صوت تسبيح يونس.. كان التسبيح يصدر من جوف هذا الحوت دون غيره.. واجتمعت كل هذه المخلوقات حول الحوت وراحت تقوم بتسبيح الله هي الأخرى.. كل واحد بطريقته الخاصة ولغته الخاصة.
واستيقظ الحوت الذي ابتلع يونس على أصوات التسبيح هو الآخر.. فشاهد في قاع البحر مهرجانا عظيما من الحيتان والأسماك والحيوانات البحرية والطحالب والصخور والرمال وهي تسبح الله.. واشترك الحوت في التسبيح وأدرك أنه ابتلع نبيا.. أحس الحوت بالخوف ولكنه
قال لنفسه: لماذا أخاف..؟
الله هو الذي أمرني بابتلاعه

ومكث يونس في بطن الحوت زمنا لا نعرف مقداره.. ظل طوال الوقت يقوم بتسبيح الله ويقول بقلبه ولسانه ودموعه

لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

ورأى الله سبحانه وتعالى صدق يونس في توبته.. سمع الله تعالى تسبيحه في جوف الحوت.. وصدرت الأوامر للحوت أن يخرج إلى سطح البحر ويقذف بيونس من جوفه عند جزيرة حددتها الأوامر.. وأطاع الحوت.. كان الحوت قد أرسى جسده على أقصى عظام المحيط

ثم سمع الله عز وجل من الظلمات نداء النبي السجين التائب.. وأمر الله تعالى الحوت فجاء من عالم البرد الزمهرير وظلمة البحر يضرب صعدا نحو الدفء والشمس المنعشة ومتع الأرض.. وقذف يونس إلى البر فوق جزيرة عارية

إن جسده ملتهب بسبب الأحماض في معدة الحوت.
وكان هو مريضا، وأشرقت الشمس فلسعت أشعتها جسده الملتهب فكاد يصرخ من الألم لولا أنه تماسك وعاد للتسبيح

وأنبت الله تعالى عليه شجرة من يقطين.. وهو نبات أوراقه عريضة تقي من الشمس.. وأفهمه الله تعالى أنه لو لا التسبيح لظل في جوف الحوت إلى يوم القيامة

قال تعالى في سورة الصافات

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاء وَهُوَ سَقِيمٌ (145) وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ (146) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ

وقال تعالى في سورة الأنبياء

وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ

نريد الآن أن ننظر فيما يسميه العلماء ذنب يونس.
هل ارتكب يونس ذنبا بالمعنى الحقيقي للذنب؟
وهل يذنب الأنبياء.
الجواب أن الأنبياء معصومون.. غير أن هذه العصمة لا تعني أنهم لا يرتكبون أشياء هي عند الله أمور تستوجب العتاب.
المسألة نسبية إذن

يقول العارفون بالله: إن حسنات الأبرار سيئات المقربين.. وهذا صحيح.
فلننظر إلى فرار يونس من قريته الجاحدة المعاندة.
لو صدر هذا التصرف من أي إنسان صالح غير يونس.. لكان ذلك منه حسنة يثاب عليها.
فهو قد فر بدينه من قوم مجرمين

ولكن يونس نبي أرسله الله إليهم.. والمفروض أن يبلغ عن الله ولا يعبأ بنهاية التبليغ أو ينتظر نتائج الدعوة.. ليس عليه إلا البلاغ

خروجه من القرية إذن.. في ميزان الأنبياء.. أمر يستوجب تعليم الله تعالى له وعقابه

إن الله يلقن يونس درسا في الدعوة إليه، ليدعو النبي إلى الله فقط

إنما أرسله ليدعو فحسب.. هذه حدود مهمته وليس عليه أن يتجاوزها ببصره أو قلبه ثم يحزن لأن قومه لا يؤمنون.. إن لوطا مكث في قومه يدعوهم سنوات عديدة فلم يؤمن فيهم أحد.. ورغم ذلك لم يخرج لوط فرارا بأهله ونفسه ودينه من قريته.. ظل يدعوهم حتى جاءه أمر الله وأرسل إليه ملائكته بإذن الخروج.. ساعتها خرج لوط.. لو خرج قبلها لعوقب مثل يونس

ولقد خرج يونس بغير إذن فانظر ماذا وقع لقومه.
لقد آمنوا به بعد خروجه.. قال تعالى في سورة يونس

فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ

وهكذا أمنت قرية يونس

ولو أنه مكث فيهم لأدرك ذلك وعرفه واطمأن قلبه وذهب غضبه.. غير أنه كان متسرعا.. وليس تسرعه هذا سوى فيض في رغبته أن يؤمن الناس، وإنما اندفع إلى الخروج كراهية لهم لعدم إيمانهم.. فعاقبه الله وعلمه أن على النبي أن يدعو لله فحسب

ليس عليه أن يؤمن الناس.. ليس عليه هداهم