البــدايـــة

القــرآن الكـريــم

الحديث النبوي الشريف

المكتبـه العـامـــه

المكتبـــة العـــامـــه

الإسـراء والمعــراج

 

 
 

للامام الشيخ المرحوم محمد متولي الشعراوي

 
 

 
   
 

المعجزة

الرسول والرسالة


أيد الله سبحانه وتعالى رسوله محمدا عليه الصلاة والسلام بمعجزات كثيرة هذه المعجزات بعضها مادي يراه الناس فقد نبع الماء من بين أصابعه الشريفة وكان الغمام يظلله أينما سار وانشق له القمر وغيرها كثير

ولكن هناك معجزة كبرى لم يتح لبشر أن يطلع عليها بلغ فيها رسول الله عليه الصلاة والسلام سدرة المنتهى وتجاوزها ليرى الآية الكبرى لله في السموات ووصل عليه الصلاة والسلام الى منزلة أعلى من منزلة جبريل عليه السلام أقرب الملائكة الى الله جل جلاله فعند سدرة المنتهى توقف جبريل ليتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال جبريل للرسول الكريم أنت يارسول الله إن تقدمت اخترقت وأنا إن تقدمت احترقت

وهذا الكتاب عن المعجزة الكبرى التي خص بها الله رسوله عليه الصلاة والسلام وهي الاسراء والمعراج فما من نبي صعد إلى السموات حتى بلغ سدرة المنتهى وتجازوها ثم عاد في نفس الليلة ليكمل حياته على الأرض إلا خاتم الأنبياء والمرسلين محمد عليه الصلاة والسلام

وحينما نتحدث عن معجزة الإسراء والمعراج فلابد أن يسبق ذلك حديث عن الأسباب التي سبقت المعجزة أو التي حدثت من أجلها المعجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء وصاحب الخلق العظيم بعث بالرسالة الخاتم إلى الدنيا كلها وأ‘ُعدَّ صلى الله عليه وسلم إعداد إلهياً لتحمل الرسالة الكبرى خاتم رسالات السماء إلى الأرض فجعله ربه أمياً لايقرأ ولايكتب حتى لايقال إنه أخذ عن حضارات الأمم السابقة أو أنه تعلم على يد معلم فروى له وعلمه ولكن الله سبحانه وتعالى أراد أن يكون هو وحده المعلم لرسوله الكريم وأن يكون تلقى العلم لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الله جل جلاله مباشرة ودون أي حضارة أرضية وكانت هذه في حد ذاتها معجزة أن يختار الله سبحانه وتعالى رسولا أميا ثم يجعله معلما للبشرية كلها إلى يوم القيامة

وهكذا نشأ محمد عليه الصلاة والسلام لم يجلس إلى معلم ولم يعرف عن حضارة الدنيا شيئا ولم يقرأ حرفا في حياته ولذلك عندما نزل جبريل عليه السلام بأول آية من القرآن الكريم وقال : إقرأرد رسول الله صلى الله عليه وسلم بفطرته السليمة ماأنا بقارئ أي لاأعرف القراءة والكتابة

ولكن الملك ضم رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه وقال لهإقرأللمرة الثانية ورد الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام قائلا ماأنا بقارئ

وتكرر نفس المشهد للمرة الثالثة

والسؤال هنا ألم يكن الحق سبحانه وتعالى الذي أرسل جبريل عليه السلام يعرف أن محمدا عليه الصلاة والسلام لايقرأ ولايكتب إنه هو الذي اختاره أميا وأعلن ذلك في التوراة والإنجيل وفي الكتب السماوية قبل أن تبدأ حياة رسولنا الكريم على هذه الأرض بوقت طويل

وإذا قرأت قول الحق سبحانه وتعالى

الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ

من الآية 157 سورة الأعراف

تجد أن هذه الآية الكريمة قد نزلت بعد أن حكى الحق سبحانه وتعالى قصة اليهود عندما عبدوا العجل وكيف أن موسى عليه السلام اختار من قومه سبعين رجلا

وكلمة إختار معناها أن مافعله موسى هو فعل اختياري يستخدم فيه العقل إختار موسى عليه السلام سبعين رجلا رجل من كل سِبْطٍ من أسباط اليهود حتى تكون كل فرق اليهود ممثلة وفي الموعد المحدد للقاء الله أراد الله جل جلاله أن ينبه قوم موسى بخطورة مافعلوه بعبادتهم العجل فأخذتهم الرجفة وهي الزلزال الشديد الذي يهز الانسان هزا عنيفا بحيث يحس أن روحه تكاد تغادر جسده

وكانت هذه الرجفة عقابا على أن هؤلاء الرجال لم يقاوموا اليهود الذين عبدوا العجل مقاومة جدية وعنيفة وهنا تضرع موسى إلى ربه وقال يارب أنت أرحم من أن تهلكنا بما فعل السفهاء منا فاكتب لنا رحمة في الدنيا والآخرة ثم أنبأ الحق سبحانه وتعالى موسى ليبلغ قومه بأن رحمة الله مكتوبة للذين يتبعون الرسول النبي الأمى وهكذا نعرف أن الله سبحانه وتعالى إختار رسوله أميا منذ الأزل وهذا إعجاز للرسول الكريم صلوات الله عليه حتى لايقال إنه قرأ في كتب الأولين أوجلس إلى معلم

إذن فجبريل ناطقا بالوحى مرسلا بكلام الله قائلا إقرأ كان يقصد معنى غير القراءة والكتابة الدنيوية ولذلك جاءت الآية الكريمة

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ*خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ*اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ*الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ*عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ

الآيات من 1 ـ 5 سورة العلق

فالحق تبارك وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أن رسوله الكريم الأمى سيعلمه الله ليكون معلما للبشرية كلها إلى يوم القيامة

الحق والظلم


واختار الله سبحانه وتعالى رسول مشهودا له بالصدق من قومه فقد عاش بينهم أربعين سنة قبل البعث بالرسالة لم يعرفوا عنه صلى الله عليه وسلم كذبا قط وكان وهو الملقب بالأمين ـ يحفظ عنده الناس مايخافون عليه من أغلى مايملكون

ثم كُلِّف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرسالة وطلب منه عليه السلام أن يجهر بالدعوة ولكن سادة قريش وزعماءهم تصدوا له لأنهم رأوا في دعوته عليه الصلاة والسلم نهاية لظلمهم وضياعا لنفوذهم فبدأوا يحاربون الدين الجديد من أول يوم ذلك الدين الذي جاء ليسوى بين السيد والعبد ويعطي الحقوق لأصحابها

وكانت صيحة الإسلام قوية في آذان أئمة قريش فزلزلتهم وجعلتهم يحاولون أن يحتووا هذا الدين الجديد بأية وسيلة وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمايتان يحميانه من الإيذاء الخارجي بنفوذهما فكانت قريش لاتستطيع أن تتعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم بإيذاء مباشر الأولى حماية عمه أبو طالب

أما الحماية الثانية فكانت من زوجته السيدة خديجة رضي الله عنها التي كانت خير سكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا عاد إلى البيت أخذت تسر عنه مايلقاه من عناء قريش واضطهادهم فتمسح بيدها كل آثار مالاقاه رسول لله صلى الله عليه وسلم من عنت وعذاب

وبدأ قادة قريش وزعماؤهم يبحثون عن حل إزاء هذا الدين الجديد الذي جاء ليسلبهم سلطانهم ونفوذهم الدنيوى وكان أول مافكروا فيه هو أن يعطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مايريده من جاه الدنيا لينصرف عن هذه الدعوة ولأنهم عبدة دنيا فكانوا يعتقدون أن المال أو السلطان أو النفوذ هو هدف رسول الله عليه الصلاة والسلام فاجتمعوا وقالوا نعطيه الدنيا لعله يترك هذه الدعوة وينصرف عنها

وذهبوا إلى عمه أبي طالب ليعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم عرضهم الدنيوى قالوا إن كنت جئت بهذا الحديث تطلب مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا وإن كنت تطلب الشرف فينا سيدناك علينا وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك وهم يقصدون بذلك الوحى رئيا تراه قد غلب عليك الرئى هو الجن بذلنا من أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك منه

ولكن كل هذه العروض ومغريات الدنيا لم تثر في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا قطرة من الإغراء فقد جاء يدعو الناس إلى العمل من أجل الآخرة ولم يجئ ليغريهم بمال الدنيا وسلطانها لأن الآخرة هي الحياة الحقيقية للإنسان ففيها الخلود وفيها النعيم بقدرة الله سبحانه وتعالى وفيها من النعم مالا عين رأت ولاأذن سمعت ولاخطر على قلب بشر وفي ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى

وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ

الآية 64 سورة العنكبوت

ولذلك حينما أراد عمه أبو طالب أن يقنعه بالعرض الدنيوى الذي تقدم به كفار قريش قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ياعم والله لو وضعوا الشمس في يمينى والقمر في يسارى على أن أبَلغ هذا الأمر أو أهلك دونه ماتركته

 

محاولة التشكيك والتعذيب


وهكذا فشل الإغراء الدنيوي وأحس كفار قريش وهم يرون الدين الجديد يزداد إنتشارا أنهم لابد أن يبحثوا عن وسيلة أخرى يواجهوا بها دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا نشكك أتباعه في الرسالة ندخل الشك إلى قلوبهم في أنه ليس رسولا فإذا دخل الشك في قلوبهم إنصرفوا عنه وانتهت الدعوة وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالى

وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ

الآية 43 سورة الرعد

وهكذا ردت السماء على الكفار وفشلت المرحلة الثانية واقتنعوا أنهم إن لم يستطيعوا إغراء رسول الله صلى الله عليه وسلم أو التشكيك في رسالته فإنهم لابد أن يبحثوا له عن طريق آخر هو أن يعذبوا كل من اتبع دين محمد وآمن برسالته تعذيبا وحشيا يصل إلى القتل حينئذ سينصرف الناس عن الدعوة خوفا من بطش سادة قريش ولايجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من يؤمن برسالته

وبدأ التعذيب ولم يكن هناك من يحمى أتباع رسول الله عليه الصلاة والسلام فقد كانوا ضعفاء وكانوا قلة وكانوا أذلة ولم يكن أمامهم إلا تحمل التعذيب

وكان آل ياسر الذين جاءوا من اليمن وأسلموا في مكة هم أول شهداء في الإسلام كان الأب هو ياسر والأم سمية والابن عمار بياسر حاول أبو جهل والكافر معه أن يفتنوهم عن دينهم فلم يفلحوا فأخذوهم إلى البطحاء أي الصحرء بعيدا عن قلب مكة وأخذوا يعذبونهم

ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم وهم يعذبون التعذيب حتى استشهدت سمية بطعنة في بطنها من حربة أبي جهل وكذلك استشهد زوجها

بشارة السماء


وتوالت أحداث التعذيب على كل من آمن برسالة محمد عليه الصلاة والسلام ولكن هذا لم يجعل أحدا من الذين آمنوا يرتد عن إيمانه بل كانوا يزدادون إيمانا وتمسكا بدينهم ويرددون وهم يعذبون أحد أحد وكانت هذه الكلمة تزلزل الكفار من الداخل وتجعلهم يعذبون المسلمين بقسوة وغلظة وضراوة والسماء ترقب مايحدث والقرآن يبشر المسلمين بالنصر وبأنهم هم الذين سَيَغْلِبُونَ وينتصرون وينزل قول الحق تبارك وتعالى

سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ

الآيه 45 سورة القمر

ويقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الاية الكريمه .... ويقول عمر رضي الله عنه .... أي جمع هذا ونحن قلة وأذله؟ ... وتمضي السنوات ويلتقي المسلمون والكفار في غزوة بدر ... ويهزم الكفار ويفرون من أرض المعركه ... بعد أن قتل منهم أكثر من سبعين من زعماء قريش ... ويقف عمر أبن الخطاب وقد وضح التأثر الشديد على وجهه وهو يقول : صدقت يارب

سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ

وهنا لنا وقفة ألم يكن الله سبحانه وتعالى قادرا على أن ينصر دينة من أول يوم ألم يكن جل جلاله قادار على أن يجعل أئمة قريش أول من يؤمن

نقول إن الله سبحانه وتعالى أراد أن يكون المسلمون الأوائل هم قمة الإيمان لاتغرهم دنيا ولايفتنهم مال ولايريدون شيئا إلا الأيمان والتقوى ولذلك جعلهم قلة وجعلهم أذلة دنيويا فقط حتى لايدخل هذا الدين إلا صادق الإيمان الذي يضحى بماله وولده وكل مايملك من مقومات الحياة في سبيل الله

ذلك أن هؤلاء المؤمنين الأوائل هم الذين سيحملون الدعوة إلى الدنيا كلها

ولتصل الدعوة طاهرة نقية كما نزلت لابد ألا يكون في صدور هؤلاء المؤمنين الأوائل ذرة من الدنيا إنهم سيفتحون بلاد العالم وتعرض عليهم الثروات وتفتح لهم أبواب القصور لو كان في قلوبهم ذرة من حب الدنيا مالوا إليها وإذا مالوا ضاعت قضية الدين في أول الدعوة

ولذلك لو بدأ الإسلام بأصحاب النفوذ في الدنيا واصحاب الأموال لآمن الناس نفاقا ورياء وتقربا من اصحاب النفوذ والسلطان تماما كما يحيط المنافقون بالحاكم أو صاحب دنيا ولانصرفوا بعد ذلك عن الدين في أول أزمة كما ينصرف المنافقون من حول أي حاكم أوصاحب نفوذ إذا زال عنهم الجاه والسلطان

فالله سبحانه وتعالى لايري لدينه أن يحمله المنافقون إلى أهل الأرض ليصبح سلعة تباع وتشترى وتتغير وتتبدل لمن يدفع الثمن لكنه يرى أن يحمل هذا الدين إلى الدنيا كلها صاقوا الأيمان الذين لايبيعيون دينهم بدنياهم والذين يخافون الله أشد من خوفهم من الناس جميعا فيقفون ليعلنوا كلمة الحق دون رهبة أوخوف ولاينحرفون من أجل مال ومتاع الدنيا

ولذلك كانت السنوات الأولى للإسلام سنوات تطهير واختبار للإيمان الصادق فلم يكن من يدخل هذا الدين ينال خيرا دنيويا بل كان يدخله وفي قلبه ذلك الإيمان الذي يجعله يتحمل كل شئ في سبيل إيمانه عقيدة صادقة في القلوب هذا ماأراده الله سبحانه وتعالى ولم تكن العقيدة الصادقة بالقول فقط ولكنها كانت بالتجربة الإيمانية الصادقة فهناك فرق بين القول وبين الأداء القول سهل ولكن التجربة العملية هي الامتحان الحقيقي للنفس البشرية ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ

الآية 16 سورة التوبة

وهكذا كانت بداية الإسلام وماتعرض له المسلمون الأوائل من أنواع التعذيب والاضطهاد هي ماأراده الحق تبارك وتعالى لدينه ليطهر هذا الدين من المنافقين وضعاف الإيمان ولايبقى فيه إلا أقوياء الإيمان المخلصون لدينهم وتحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحمل المؤمنون الإيذاء بصبر ورضاء كانوا كلما واجهوا الصعاب وكلما تعرضوا للأذى إزدادوا التصاقا بدينهم وإيمانا بربهم وكلما زاد الاضطهاد كان تمسكهم بالدين أقوى

وزاد جنون قريش


ولكن قريشا كان يزداد جنونها كل يوم وذهبت إلى عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم تطلب منه أن يترك محمد عليه الصلاة السلام والدعوى ودار حوا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمه أعلن فيه الرسول صلى الله عليه وسلم تمسكه الكامل بالدعوة واهتز أبو طالب من موقف ابن أخيه الذي كان قمة في الإيمان وقال له إذهب يابن أخي فقل ماأحببت فوالله لاأسلمك لشئ تكرهه أبدا

وطالب أبو طالب من بنى هاشم وبنى عبد الطلب أن يمنعوا قريشا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستجابوا له جميعا إلا أبا لهب الذي كانت عداوته للإسلام ليس فوقها عداوة

وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتعرض لأقسى مايتعرض له نبى يحتمى بقومه من أذى قريش وتأتي خديجة رضي الله عنه فتمسح عنه مايلاقيه من عناء في الدعوة إلى الله وأبو بكر يشترى العبيد الذين أسلموا ويعتقهم حتى ينجيهم من العذاب والموت وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحمل الأذى وهو صابر يلقون القاذورات في طريقه ويضعونها على ظهره وهو يصلى فيقابل كل هذا بكريم خلقه وعظيم سماحته وعندما اشتد الأذى على المسلمين أشار عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهاجروا إلى الحبشة هربا من الظلم والطغيان

وأسلم عمر بن الخطاب وأسلم حمزة بن عبد المطلب وكان كلاهما قويا ومرهوبا ولأول مرة صلى عمر بالمسلمين عند الكعبة بعد أن كانوا يؤدون صلاتهم في شعاب مكة خوفا من أذى قريش وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو القبائل التي تأتي مكة للحج أو للتبرك بالبيت الحرام أو للتجارة إلى الإسلام

وأحست قريش بالخطر الجسيم الذي يتهددها فبدأوا يحاولون تشويه دعوة الرسول الكرم قالوا ساحر سحر الناس وقالوا شاعر وقالوا كاهن ولكن كل هذه الدعاوى سقطت

فلو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ساحرا لسحر كفار قريش لأن المسحور لاإرادة له مع الساحر ولو كان عليه الصلاة والسلام شاعرا لاشتهر بالبلاغة في حياته ولكنه عليه الصلاة والسلام لم يقل بيتا من الشعر أو أحس الناس ببلاغته طوال أربعين سنة عاشها معهم ولو كان عليه الصلاة والسلام كاهنا يأتي بالقرآن من عنده لتناقض مع نفسه لأن الإنسان ينسى مع السنين والزمن

وجاء مدد السماء


ولكن كل هذا لم يفلح واستمرت الدعوة في طريقها تنتشر وتنتشر وبنو هاشم وبنو عبد المطلب يحمون محمدا من إيذاء قريش وكان لابد من إجراء آخر حتى يتخلى بنو هاشم وبنو عبد المطلب عن حماية رسول الله صلى الله عليه وسلم

ماذا تفعل قريش قرروا مقاطعة بنى هاشم وبنى عبد المطلب وكانت سنوات المقاطعة التي عانى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون من الجوع حتى أكلوا ورق الشجر

وكانت صناديد قريش قد كتبوا كتابا تعاقدوا فيه على مقاطعة بنى هاشم وبنى عبد المطلب مقاطعة تامة فلايبيعونهم شيئا ولايبتاعون منهم ولايزوجونهم ولايتزوجون منهم وعلقوا هذا الكتاب داخل الكعبة

واستمر الحصار حوالى ثلاث سنوات كانت قريش ترجو خلالها أن يتخلى بنو هاشم وبنو عبد المطلب عن محمد عليه الصلاة والسلام يسلموه لهم ليفعلوا به مايشاءون وسلط الله سبحانه وتعالى أرضة الأرض فأكلت هذه الصحيفة فيما عدا كلمة باسمك اللهم التي بدأت بها وأبلغ الوحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فأبلغ عمه عبد المطلب الذي أبلغ كفار قريش وانتهت هذه العملية بتمزيق الصحيفة

ولكن هذا لم يكن النهاية فلم تمض شهور على تمزيق الصحيفة حتى فاجأت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجعتان في عام واحد اهتزت لهما نفسه الشريفة مات عمه أبو طالب وماتت زوجته خديجة وسمي هذا العام عام الحزن وبعد أن فقد رسول الله صلى الله عليه وسلم حماية عمه وحنان زوجته ازداد إيذاء الكفار للمسلمين

كما ازداد إيذاؤهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تحمل في صبر وجلد

وضاق الرسول الكريم بإيذاء قريش وضاق بعناد الكفار من أهل مكة فخرج وحيد دون أن يخبر أحدا إلى الطائف يلتمس من أهلها بنو ثقيف النصرة والمنعة سلطوا عليه صلى الله عليه وسلم سفهاءهم يسبونه ويرمونه بالحجارة حتى دميت قدماه الشريفتان والتجأ إلى بستان يملكه عتبة وشيبة إبنا ربيعة وجلس في ظل شجرة وقد بلغ منه الحزن مبلغه وهو يرى صلى الله عليه وسلم جحود خلق الله بدعوته إلى دين الحق

لم يكن أمامه إلا السماء تلك التي كلفته بالرسالة يبلغها للناس فقد استنفذ صلى الله عليه وسلم كل أسباب الأرض مع قومه ومع غيرهم لكنه صلى الله عليه وسلم قوبل بالإيذاء والجحود والنكران رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره إلى السماء يشكو ظلم أهل الأرض فقال عليه الصلاة والسلام

اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس ياأرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلنى إلى بعيد يتجهمني أو إلى عدو ملكته أمرى إن لم يكن بك علَيَّ غضب فلا أبالي ولكن عافيتك أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي عضبك أو يحل علي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم 

وكان لابد من مدد من السماء يأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليؤكد له : أنه إذا كان أهل الأرض قد تخلوا عنه فإن ربه سيحتفي به في ملكوت السماء

وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة وحيدا كما خرج منها وعرفت قريش قصة الطائف فاشتد إيذاؤها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومن آمنوا معه

وفي ليلة مباركة جاء مدد السماء وحدثت المعجزة معجزة الإسراء والمعراج